نحن
وتاريخنا الحديث :
وكل ما
تعانيه مصر الآن من جراء الاحتلال البريطانى، وكل ما
عانته منه فى سبعة وأربعين عاماً مضت، وكل ما ستعانيه
منه الى أن تحصل على استقلالها التام، مرتبط بالحوادث
التى كانت مصر مسرحاً لها من عهد الخديوى اسماعيل باشا
الى أن احتل الانجليز القاهرة فى 14 سبتمبر سنة 1882.
وذلك أن هذ الحوادث كانت مقدمات أو عللاً والحالة التى
نحن فيها الآن نتائج لها أو معلولات، وقد كان هذا
داعياً لأن نعرف تلك الحوادث معرفة بحث ودراسة لنعرف
كيف ومن أين ابتدأنا ولكننا مع الأسف لا نعرف منها إلا
صورة مبهمة يذهب مرور الأيام بما لها فى أذهاننا من
الأثر. فليس فينا للآن من درسها ووضع فيها كتاباً
باللغة العربية مع أن الأوروبيين وضعوا فيها عشرات من
الكتب ذات القيمة فرنسية وإنجليزية وألمانية وإيطالية.
وحتى هذه الكتب التى وضعها الأوروبيون والتى لاريب فى
أن بعضاً منها كتبه رجال اشتركوا بأنفسهم فى تلك
الحوادث فكتابتهم تعتبر مستنداً يقابل بغيره من
المستندات لاستخراج الحقائق التاريخية كما أن بعضاً
آخر كتبه رجال لم يشتركوا بأنفسهم فى الحوادث ولكنهم
استطاعوا أن يصلوا الى المستندات الرسمية الخاصة بها
فى وزارات الدول فكتابتهم تعتبر مستنداً آخر، هذه
الكتب لم ينقل منها الى اللغة العربية على ما نعلم إلا
كتاب وضعه اللورد كرومر بعد خروجه من مصر وكتاب آخر
وضعه مستر تيودور روثستين ونشرته فى سنة 1923 لجنة
التأليف والترجمة والنشر .
وقد
يكون السبب فى قلة اهتمامنا بدرس تلك الحوادث وبتعريب
ما كتبه الأوروبيون فيها أن أشخاصاً من الذين ساهموا
فيها بنصيب كبير كانوا أحياء الى زمن قريب، وبعض هؤلاء
الأشخاص لم تكن لهم سلطة يخشى جانبها كعرابى ومحمود
سامى البارودى ورياض ولكن شخصاً آخر هو الخديوى توفيق
باشا كانت له ولابنه عباس باشا من بعده سلطة تخشى وهو
محور دارت حوله الحوادث فى سنتى 1881 و 1882 فكان من
الصعب على الباحث المصرى أن يجتنبه أو يجتنب الحكم على
مواقفه، وهو إذا كتب هذا الحكم إما أن يكتبه كما يوحيه
ضميره وحينئذ قد يكون ضد توفيق باشا فيستهدف لغضب ذوى
السلطة وإما أن يكتبه مصبوغاً بصبغة المداراة وإذن
يكون بحثه غير برئ ويفقد قيمته.
وهذا
الذى يقال فى التأليف يقال فى التعريب لأن كل الذين
قرأوا المؤلفات الأوروبية التى وضعت فى هذا الموضوع
يعلمون أن أصحاب هذه المؤلفات اختلفت آراؤهم فى مواقف
توفيق باشا فكان منهم من بررها ومنهم من خطأها ولكنهم
جميعاً لم تخل كتاباتهم عنه من غمز جارح. ولعل كتاب
اللورد كرومر "مصر الحديثة" وكتاب اللورد ملنر
"انجلترا فى مصر" هما وحدهما اللذان خلوا من مثل هذا
الغمز.
ولكن
هذا السبب ليس عذراً صحيحاً، وهو إن صح لا يكون إلا
لوقت، وفى رأيى أن هذا الوقت انقضى وآن الأوان قد آن
لأن يدرس الباحثون منا تلك الحوادث التى كانت مصدر ما
نحن فيه الآن من المتاعب. ولهذا اخترت "للبلاغ" أن
يمهد سبيل هذا البحث بأن يعرب بعض المؤلفات الأوروبية
التى تعتبر مستندات فعرب مترجموه كتاب "التاريخ السرى
لاحتلال انجلترا مصر" Secret
history of the English occupation of Egypt
ومؤلفه مستر الفريد سكاون بلنت الذى شهد بنفسه حوادث
سنتى 1881 و 1882 وكان فيها متصلاً بعرابى وجرى شطر
كبير منها على يديه. وكتاب "المسألة المصرية"
La Question Egyptienne
ومؤلفه مسيو دى فرينسيه الذى كان رئيساً لوزارة فرنسا
حينما ضرب الإنجليز الإسكندرية واحتلوا القاهرة.
وكتاب
"النار والسيف فى السودان" Fire
and Sword in the Sudan ومؤلفه سلاطين باشا
الذى بقى فى أسر المهدى الى أن أعيد فتح السودان فى
سنة 1897.
وقد
نشرت هذه الكتب متوالية فى "البلاغ" ورأيت
اليوم أن أجمعها فى كتب ليتيسر اقتناؤها وحفظها. وهذا
كتاب "التاريخ السرى لاحتلال انجلترا مصر" ولها
وسيليه الآخران.