الجغرافية السياسية جيوبوليتيك

تأليف: أكسندر دوفاى  - تعريب حسين حيدر

 الناشر: عويدات للنشر والطباعة - بيروت

سنة النشر: 2007

عدد الصفحات: 157 ص

الترقيم الدولى : 8-087-28-9953

رقم الأيداع بالمكتبة : 9

المدخل

عرفت كلمة "جيوسياسية" منذ ابتكارها في السنة الأخيرة من القرن التاسع عشر من قبل السويدي الأستاذ في العلوم السياسية "رودولف كجيل" (1864-1922) حسب الأمكنة والأزمنة تقلبات متنوعة ومرتبطة بالمعنى الذي أعطى لها و بالاستخدام الذي استعملت فيه .

وقد كثر استخدامها في ألمانيا خاصة وفي العالم الأنكلو - ساكسوني حتى الحرب العالمية الثانية وحملت بعد الحرب تهمة كونها ميزت الأعمال التى كانت قد أوحت للنازيين فى ألمانيا بسياستهم  الخارجية وتحميلهم مسؤولية كبيرة فى اندلاع النزاع . كما أوقفت استخدامها غداة المعارك ز حتى أنها استبعدت من الإطار التعليمى فى ألمانيا وفرنسا ، وفى الواقع ، إذا كانت الكلمة قد اختفت بشكل شبه كامل من القاموس العلمى ، فقد استمر استخدامها من قبل السياسيين كما كانت توجد قبل ظهورها .

            كما لم يكن مفاجئاً أن يعيد الصحافيون ثم الباحثون إدخالها فى نهاية سبعينات القرن الماضى ، دون شك فى معان مختلفة فى بعض الأحيان وشيئاً فشيئاً عممت استخدامه وسائل الإعلام .

            ويطرح الكتاب أن الجغرافية السياسية ، كما يمكن تحديدها استناداً الى الأعمال الى تؤدى اليها ، تستهدف دراسة التفاعلات بين المساحة الجغرافية وحالات التعارض بين القوى الناشئة فيها فيترجم تأثير الموقع بالقيود التى يفرضها أو بالفرص التى يتيحها أمام المزاحمات السلطوية . وتعتبر هذه القيود والفرص للتبدل ، وترتبط بالقدرات التقنية للمرحلة وبالوسائل البشرية والمالية القابلة للاستخدام من قبل سلطة معينة : فهذه الذراع البحرية التى كانت بالأمس تحمى وتعزل ، هى اليوم قابلة للاجتياز بسهولة إذا كانت الدول الواقعة على ضفافها تستطيع القيام بذلك تقنياً ومالياً ، وإذا كانت لديه الإرادة السياسية . كما تتأثر الجغرافية السياسية المعاصرة بتأثيرات الحاضر والماضى للمزاحمات السلطوية على المساحة الجغرافية السياسية . فتوجد هذه المزاحمات فى جميع المجتمعات التى لم تكن قد شكلت دولاً بعد ، وتشهد مشكلات حكم داخلية وخارجية تستدعى حلاً لها ، الأمر الذى يدفعها لممارسة السياسة بالمعنى الواسع . لكن مع نشوء الدولة فى الشرق الأدنى ، قبل حوالى ثلاثة آلاف عام قبل عصرنا ، اكتسبت المساحة بعداً جيوسياسياً دائماً. ومنذ ذاك الوقت لم تعد المساحة مكونة ومحددة فقط بتنوع الموقع الطبيعى وتنوع السكان ، بل كذلك بممارسة أشكال السيادة الحكومية المتنافسة .

وبخصوص هذه الأشكال ، فالمساحة هى المسرح والرهان لأشكال المزاحمة ، ومن أجل زيادة قوتها المادية وكذلك الرمزية ، يجرى التزاحم للسيطرة عليها بالحروب والتحالفات أو التفاوض ، وتقام حدود سياسية دائمة ودقيقة ومحكمة الى حد معين ، فتساهم فى داخلها بتوزيع المساحة بأدواتها الخاصة فى الرقابة والإدارة .

هكذا شكلت المساحة ، حسب النظرة الجيوسياسية ، رهاناً وأرضية لانتشار القوة . ورهاناً لمراقبة المسارب الاستراتيجية والموارد الحيوية ، وكذلك لأقاليم ومناطق رمزية ، كأرضية تحرك للقوة المحلية والعالمية .

            لكن هذه الأشكال من التزاحم السلطوى التى يحاول المفهوم الجيوسياسى وصفها وشرحها ليست هى نزاعات مصالح "موضوعية" فقط ، فى معنى نزاعات عائدة لحاجة حيوية حقيقية أو مزعومة ، للفوز بها من أجل بقاء الكيان السياسى ، بل كذلك فى نزاعات متصلة بمناطق متصورة ، يعنى مناطق "متخيلة" أنها حاملة لقيم متوارثة من جيل لآخر لدى سكانها أو الطامعين بها أو الذين يصفونها فى المجتمعات التقليدية ، وذات الطابع المقدس بوسائل التكيف الثقافى فى الدولة الحديثة والمدرسة ووسائل الإعلام . بيد أن من بيدهم السلطة السياسية يستخدمون ويوجهون هذه الوسائل التى هم أنفسهم خدعوا بها فى بعض الأحيان من أجل تحقيق تمويه أهدافهم الاستراتيجية . وبكلام آخر ، يمكن الذهاب الى درجة التأكيد ، كما فعل "تييرى مونبريا" أن الجيوسياسى هو "الجزء من الجغرافية السياسية الذى يهتم بالإيديولوجيات المتصلة بالأقاليم"

 أكسندر دوفاى أستاذ فى مركز الجغرافية السياسية فى دار المعلمين العليا ، باريس ، وهو بشكل خاص مؤلف فى مجموعة مؤلفات "ماذا أعرف؟" فى الجغرافية السياسية للشرق الأدنى .